أثارت الزيارة الأخيرة للجنة الحريات الدينية الأميركية لمصر الكثير من التساؤلات حول مهام اللجنة ودورها وحدود علاقتها بالجهات الرسمية وغير الرسمية المصرية، وكذلك العديد من الملاحظات السلبية حول خلفيات وأسباب تدخل مثل هذه اللجنة في الشؤون الداخلية لمصر أو لغيرها من البلدان.
في الأعوام الأخيرة، تحديدا منذ أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، بدأت مثل هذه التقارير الدورية حول حقوق الإنسان والحريات تثير حفيظة الدول العربية، ومن بينها مصر، وتدفع مسؤوليها إلى الرد بعنف على ما يذكر بها.
فمن جهة، ندر أن تخلو القوائم السلبية للتقارير الأميركية من الدول العربية المتهم معظمها بانتهاك حقوق الإنسان وبعضها بالاضطهاد الديني. والأمر لا يعود إلى رغبة أميركية دفينة في نقد العرب أو استعدائهم، بل بداية إلى الواقع الرديء في عالمنا الذي تغيب عنه إلى اليوم الديمقراطية الحقيقية والمساواة الفعلية بين المواطنين بغض النظر عن الدين والمذهب والعرق، ولنا في مصر في حادثة نجع حمادي الأخيرة من الدلالات والمؤشرات في هذا السياق الشيء الكثير.
من جهة ثانية، اكتسبت تقارير الخارجية الأميركية واللجان الحكومية والمؤسسات غير الحكومية أهمية سياسية كبيرة بعد 2001، مع إنتاج إدارة بوش لخطابها حول دعم الديمقراطية، أو أجندة الحرية في لغة الإدارة السابقة، والربط بينها وبين مكافحة الإرهاب ومطالبتها العلنية للدول العربية، بما فيها دول حليفة للولايات المتحدة؛ كالسعودية ومصر والأردن، بتحسين أوضاع حقوق الإنسان والحريات بها.
وعلى الرغم من أن مجمل فعل إدارة بوش لم يرق أبدا إلى مستوى التطبيق الفعلي لسياسات تهدف إلى دعم الديمقراطية، بل وتخلت عنها عمليا عندما تعقدت مهمة قواتها في العراق واحتاجت إلى عون حلفائها العرب، إلا أن أجندة الحرية والنقاش العلني حولها دفعا الدول العربية إلى الاهتمام بكل ما يصدر عن أو من واشنطن في هذا الصدد.
من جهة ثالثة، سعت معظم الحكومات العربية خلال الأعوام الماضية إلى سحب بساط الديمقراطية من تحت أقدام الولايات المتحدة عبر صياغة برامج محدودة للإصلاح السياسي في الداخل، والشروع في تنفيذ بعضها وعبر التشديد المستمر على أن قضايا الديمقراطية والحرية هي قضايا داخلية لا يصلح معها التدخل من الخارج.
هنا وقفت تقارير الجهات والمؤسسات الأميركية لطروحات الحكومات العربية بالمرصاد وأظهرت هزلية نتائج برامجها الإصلاحية ونشط العديد منها لتفنيد المقولات الرسمية والمتابعة المكثفة لأوضاع حقوق الإنسان والحريات في بلاد العرب.
إلا أن الغضب الرسمي العربي والمصري من التقارير الأميركية له أيضا ما يبرره، وهو ما ظهر مؤخرا بصورة جلية في أعقاب إصدار اللجنة الأميركية للحريات الدينية في العالم لتقاريرها السنوية وبه وضعت السعودية والعراق والسودان على قائمة الدول التي تمارس الاضطهاد الديني ومصر والصومال على قائمة الدول الموضوعة تحت الرقابة.
تقارير لجنة الحريات الدينية تتسم بقصور في معالجتها لأوضاع الدول العربية على نحو يحد كثيرا من المصداقية. وقناعتي أن مصدر القصور هنا لا يعود إلى محاولة منظمة من جانب لجنة الحريات الدينية للإساءة لدول عربية أو تثبيت الصور النمطية السلبية عنها، بل إلى عجز معدي التقرير عن تنويع مصادر معلوماتهم لتتجاوز التغطية الصحافية وتحليلات السفارات الأميركية وعدم اتباعهم منهجية رصدية واضحة.
الأهم هو أن ثمة مشروعية حقيقية لوضع علامات استفهام كبرى حول مدى مصداقية تبني الولايات المتحدة لحقوق الإنسان والحريات بعد أبو غريب وجوانتنامو وتورط المخابرات والجيش الأميركي في ممارسات تعذيب.
التقارير الأميركية تعبر، على الأقل في أحد مضامينها، عن جوهر استعماري مبطن يعطي الولايات المتحدة "الحق" في مراقبة وتقييم الدول الأخرى من دون أن تراقب هي، وكذلك بغض النظر عن مدى التزامها هي، بحقوق الإنسان والحريات المدنية والسياسية والدينية.