في سؤال أثار جدلاً ساخناً بيني وبين عدد من الزملاء الصحفيين طرحه أحدهم على طاولة أحد مقاهي وسط القاهرة، امتحن فيه ذكائنا بالقول ما الفرق بين التوريث السياسي والتلويث السياسي في مصر؟!، ما جعلني أشرد بذهني للإجابة عن هذا السؤال العويص الذى بالرغم من بساطته إلا أنه يحمل في طياته أحجيات مادة الكمياء التى عانينا منها في المرحلة الثانوية.
وبعد أن أدلي كل زميل بدلوه عبر اسقاطات سياسية فلسفية جيدة، تبسمت متأملاً أكواب الشاي التى تجاورت مع بعضها، وهتفت محاولاً جاهداً ألا تظهر السخرية في مقاطع إجابتي أن: الفرق بين والتوريث والتلويث هو ذات الفرق بين الشاي السادة والشاي "أبوحليب" حينما نضيف إليه الأخير..!.
وبغض النظر عما اذا انتهت أزمة التوريث الحالية بانتخابات فلكلورية يعلم الجميع يقيناً نتيجتها مبكراً، سيبقى الفساد ميزة أساسية لمسيرة النظام السياسي في مصر، لأنه تحول عبر تحورات مؤلمة ليكون نظام من اجل الاغنياء فقط، ممول من قبلهم ويتستر بالزي الديموقراطي، وأصبح الأمن القومي بمعناه الشامل في زمن البيزنس السياسي مثله مثل السيراميك والحديد وكرة القدم يتاجر به ويستثمر فيه، وهو ما ادي إلى سرطنة الحياة السياسية في مصر.
تجلى ذلك مؤخراً في سلوك نواب حزب الحكومة الذى يسيطر على مفاصل الدولة، وآخرهم حارس مرمي فريق "نظيف" الكابتن أحمد شوبير الذى اعترض بطريقة غير "رياضية" أثناء مناقشة موضوع عمال كتان طنطا في لجنة القوى العاملة بمجلس الشعب.
وكان متوقعاً لو لم يكن الدكتور فتحي سرور حكماً للجلسة أن ينال النائب شوبير كارتاً أحمر، وذلك بعد ان أكد بسلوكه أمام النائب يسري بيومي -عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين- جهل فريق "نظيف" بما يحدث لطبقة العمال التى تآكلت وتكاد أن تندثر، المفارقة الطريفة أن جميع نواب الجلسة كانوا يدافعون عن عمال كتان طنطا إلا نائب الدائرة التي بها المصنع، وهو الكابتن شوبير؛ الذي استبسل في الدفاع عن "ريالات" المستثمر السعودي..!
ويبدو أن تجربة الـ( CD) التي مر بها النائب شوبير جعلته عصبي المزاج، ولا يمكن إلقاء اللوم عليه وحده في موضوع مسلسل البذاءات والألفاظ الخادشة للحياء، الذى وصل إلى حد شتم نائبكتلة الإخوان الذى أجرم في حق فريق "نظيف" بالقول أن: "الحرامية باعوا مصر، ولا بد من تدخُّل النائب العام!!" .
ذلك أن سياسة الحوار مع الخصخصة التي أتبعتها الحكومة ؛ تتعمد البذاءات والألفاظ الخادشة للحياء سبيلاً للحوار مع نواب المعارضة، التى تفضح كل يوم مواقف نواب الحكومة وعدم امتلاكهم للحجة التي يدافعون بها عن البيزنس السياسي، فيلجؤون إلى الخروج عن آداب اللياقة، ويطلقون ألفاظًا خادشةً لا تليق بنواب أصحاب فكر جديد تحت قبة البرلمان.
والذى يجهله الكابتن شوبير ولربما لا يعنيه بالمرة، أن الخصخصة على الطريقة المصرية أضافت أعدادًا إضافية لطابور البطالة، فالمستثمرين بمجرد شراء المشروع أو الشركة يقومون بتسريح العمال عن طريق المعاش المبكر أحيانًا، أو عن طريق نقل خطوط الإنتاج إلى محافظات أخرى بعيدًا عن سكن العمال ومقر أقامتهم لإجبارهم على تقديم استقالاتهم، كما أن أغلب المستثمرين لا يلتزمون بشروط البيع، وبذلك فقدت مصر معظم شركاتها وشردت الكثير من عمالها، وحتى الآن لم نر آثارًا ملموسًا لأموال الخصخصة في تحديث الصناعة المصرية، كما وعدت حكومات الوطني المتعاقبة.
ويمضي بنا قطار التلويث مغادراً مشهد البيزنس السياسي وصولاً إلى محطة الشاي أبو حليب، في واقعة إشاعة الفوضى عبر قرصنة حكومية مشبوهة استهدفت حزب العمل الإسلامي المعارض قبيل الانتخابات النيابية والرئاسية المزمع عقدها، تلك القرصنة التى قد تبدوا مألوفة في بلاد الواق واق المتاخمة لحدود جمهورية إتحاد جزر الموز الديمقراطية العظمي، لكنها لا تبدوا كذلك على الإطلاق في أول دولة مركزية موحدة في تاريخ البشرية قدمت للعالم أقدم نظام سياسي.
وبالعودة إلى الدستور الدائم الصادر فى 11 سبتمبر عام 1971 والمعدل فى 22 مايو عام 1980 وفى 25 مايو 2005، وفى 29 مارس 2007، نجده يشدد علي سيادة القانون واستقلال القضاء كأساس للحكم، مبيناً أن النظام السياسي المصري يتكون من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، والصحافة، والأحزاب السياسية، والإدارة المحلية ومؤسسات المجتمع المدنى.
أما مسألة سيادة القانون واستقلال القضاء في تعامل الحكومة مع حزب العمل الإسلامي، يمكن تلخيصها بفصول مسرحية هزلية بالغت الحكومة في مط أحداثها ، بداية من قرار التجميد الغير دستوري مروراً بأحكام القضاء لصالح استئناف وعودة نشاط الحزب، واخيراً بالانقلاب العائلي الذى خططت له الحكومة لتمكين ورثة الأستاذ إبراهيم شكري – رحمه الله- من الإستيلاء على مسمى الحزب.
وكان مثيراً للسخرية والشفقة في آن واحد أن الاجتماع "العائلي – العائلي" الذى ضم ممثلين عن عائلة التوريث الحاكم مع السيدة الفاضلة أسمهان إبراهيم شكري إلى جانب شقيقيها أحمد وإسماعيل ، والذى تمخض عن قرارات صورتها أبواق الحكومة على أنها مصيرية لم يشارك فيه سوى سبعة من أعضاء الحزب فقط من أصل 200 عضو هم أعضاء اللجنة العليا..!.
إن حزب العمل الإسلامي الذى تخندق ضد المخططات الصهيو-أمريكية بقيادة الأمين العام الراحل الأستاذ عادل حسين إلى وقتنا الراهن، هو ذاته الذى يستعصي على تمرير مخططات توريث الحكم، وذلك على الرغم من الضربات والزوابع الأمنية التى تسعى من حين إلى آخر إلى شل الحراك السياسي للحزب وتحالفاته مع القوى السياسية والوطنية ضد الفساد.
وحسناً ما شخصت به السيدة الفاضلة د. نجلاء القليوبي - القيادية في الحزب وزوجة المناضل الأسير مجدي أحمد حسين- الأزمة الراهنة للحكومة وخيارها على التلويث السياسي ، بقولها أن ما يقوم به النظام مع ورثة الأستاذ إبراهيم شكري مجرد "عبث ليس له قيمة"، وهو على أي حال لا يحظى بالشرعية أو المصداقية في الشارع السياسي والحزبي، حتى وإن كان النظام لا يقيم لسيادة القانون وأحكام القضاء فضلاً عن الدستور ذاته وزناً.